عبد الله بن أحمد النسفي
148
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 34 إلى 36 ] وَما لَهُمْ أَلاَّ يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلاَّ الْمُتَّقُونَ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 34 ) وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلاَّ مُكاءً وَتَصْدِيَةً فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ ( 35 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ ( 36 ) عذبهم ، أو معناه وما كان اللّه معذبهم وفيهم من يستغفر ، وهم المسلمون بين أظهرهم ممن تخلف عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من المستضعفين . 34 - وَما لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ أي وما كان اللّه ليعذبهم وأنت فيهم وهو معذبهم إذا فارقتهم ، وما لهم ألّا يعذبهم اللّه وَهُمْ يَصُدُّونَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ وكيف لا يعذبون وحالهم أنهم يصدون عن المسجد الحرام كما صدوا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عام الحديبية وإخراجهم رسول اللّه والمؤمنين ، من الصد ، وكانوا يقولون نحن ولاة البيت والحرم فنصدّ من نشاء وندخل من نشاء فقيل وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ وما استحقوا مع إشراكهم وعداوتهم للدّين أن يكونوا ولاة أمر الحرم إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ من المسلمين ، وقيل الضميران راجعان إلى اللّه وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ ذلك ، كأنه استثنى من كان يعلم وهو يعاند ، أو أراد بالأكثر الجميع كما يراد بالقلة العدم . 35 - وَما كانَ صَلاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إِلَّا مُكاءً صفيرا كصوت المكاء وهو طائر مليح الصوت ، وهو فعال من مكا يمكو إذا صفّر وَتَصْدِيَةً وتصفيقا ، تفعلة من الصدى ، وذلك أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة وهم مشبكون بين أصابعهم يصفّرون فيها ويصفّقون ، وكانوا يفعلون نحو ذلك إذا قرأ رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في صلاته يخلطون عليه فَذُوقُوا الْعَذابَ عذاب القتل والأسر يوم بدر بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ بسبب كفركم . ونزل في المطعمين يوم بدر وكانوا اثني عشر رجلا وكلّهم من قريش ، وكان يطعم كلّ واحد منهم كلّ يوم عشر جزر « 1 » : 36 - إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ أي كان غرضهم في الإنفاق الصدّ عن اتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم وهو سبيل اللّه فَسَيُنْفِقُونَها ثُمَّ تَكُونُ
--> ( 1 ) جزر : جمع الجزور يقع على الذكر والأنثى من الإبل .